قالت صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية، إن الهجوم على سفينتي غاز في ميناء دمياط على البحر الأبيض المتوسط يُسلط الضوء على تزايد انكشاف مصر على صراع سعت إلى حد كبير إلى تجنبه.

 

وأعلنت الحكومة المصرية الخميس أن طائرة مسيرة تسببت في اندلاع حريق على متن سفينتين في ميناء دمياط ، وذلك بعد أن نفت مصادر أمنية مصرية في البداية التقارير التي تفيد بأن الحريق نجم عن غارة جوية بطائرة مسيرة.

 

قال هاني العصار، المدير التنفيذي للمركز القومي للدراسات والباحث المتخصص في الشؤون الأمنية والعسكرية، إن الهجوم يمثل منعطفًا خطيرًا في تاريخ مصر. 

 

وأضاف العصار في تصريح لموقع "ذا ميديا لاين": "حادثة دمياط متعمدة ومخطط لها بوضوح". وأوضح أن الهجوم ألحق ضررًا بالغًا بالمصالح الاقتصادية المصرية، على الرغم من أن السفينتين لم تكونا مصريتين. وتابع: "كما أنه يقوض شرعية النظام السياسي القائم على حماية الدولة وتأمينها".

 

مصر تشتبه في تورط الحوثيين


وفقًا للعصار، فإن المخابرات المصرية تدرس جميع الاحتمالات، لكنه رجّح أن الأدلة المتاحة تشير بقوة إلى حركة الحوثيين. واستشهد بتقييم الجماعة لرد مصر على تصعيدها ضد السعودية، ومدى استعدادها لفرض رقابة على حركة الملاحة في البحر الأحمر. 

 

وأضاف: "تعمل الجماعة كذراع عسكري لإيران، وهذا ما شكّل الضربة التي استهدفت المصالح الأمريكية". ومع ذلك، أشار إلى أن إيران على الأرجح لم تأمر بالهجوم لأن طهران لا ترغب في اكتساب أعداء جدد أو تعريض علاقاتها المحسّنة مع القاهرة للخطر.

 

قبل أيام من الضربة، ظهر ميناء دمياط على خريطة للأهداف المحتملة التي بثها التلفزيون الإيراني الرسمي، تحت عنوان "ما هي أهداف انتقام إيران من أوكرانيا ؟". وصف النص المصاحب منشأة الغاز الطبيعي المسال في ميناء دمياط بأن طاقتها الإنتاجية السنوية تبلغ 5.2 مليون طن، وتُعدّ بوابة لتصدير الغاز إلى أوروبا. وكانت وسائل الإعلام الإيرانية صرّحت علنًا بأن طهران سترد بضرب أهداف مرتبطة بشحنات النفط والغاز إلى أوروبا.

 

جاء ذلك عقب استهداف أوكرانيا بطائرة مسيرة في 25 يوليو سفنًا في بحر قزوين. وأعلنت كييف أنها استهدفت سفينة حربية روسية وسفنًا تحمل شحنات عسكرية مرتبطة بإيران. في المقابل، قالت إيران إن إحدى السفن المستهدفة هي سفينة شحن مدنية، وإن بحارًا قُتل. ووصف وزير الخارجية عباس عراقجي الهجوم بأنه انتهاك لميثاق الأمم المتحدة، وقال إنه "لا يمكن السكوت عنه".

 

وتعرضت دمياط للضرب في اليوم التالي، عندما أعلنت شركة "أمبري" البريطانية للأمن البحري، يوم الأربعاء، أن طائرة مسيرة واحدة على الأقل استهدفت سفينة التغويز "إنرجوس وينتر"، المملوكة للولايات المتحدة  والمسجلة في جزر مارشال، وأن الحريق امتد إلى سفينة ثانية، هي "جاسلوج سالم" المملوكة لليونان. 


قال العصار: "إن الإجراءات التي وعدت بها الحكومة بمثابة عملية تحقيق جنائي. ستحدد هذه الإجراءات المسؤولية والدافع، وتقيّم ما إذا كان السلاح يطابق الترسانة المعروفة للجماعة المشتبه بها، وتحدد كيفية وصوله، وتراجع الأمن في الموانئ المصرية وغيرها من المنشآت الحيوية".

 

وسبق أن استهدفت طائرات مسيرة مدينتي طابا ونويبع المصريتين في أكتوبر 2023، ما أسفر عن إصابة ستة أشخاص. وأعلن الجيش المصري أن الطائرات المسيرة انطلقت من جنوب البحر الأحمر، لكنه لم يحدد الجهة التي أطلقتها.

 

قال العصار إن مصر تعتبر الحادثة السابقة امتدادًا عرضيًا للأحداث لأن الحوثيين كانوا يستهدفون إسرائيل. وتوقع أن تصف الحكومة هجوم دمياط بعبارات تتجنب جرّ مصر إلى الحرب الأمريكية مع إيران.

 

مصر قد تلجأ إلى التصعيد الدبلوماسي


توقع طلعت طه، المحلل السياسي والخبير في الشؤون العربية، ردًاً أكثر صرامة. وقال إن مصر ستبقى خارج الحرب، لكنها قد ترفع القضية إلى مجلس الأمن الدولي، أو تصعّد الموقف دبلوماسيًا، أو تضرب الطرف المسؤول.

 

واضاف: "بإمكان مصر أن تحافظ على الوضع تحت السيطرة دون إشعال حرب إقليمية".

 

وأشار إلى أنه إذا ثبتت مسؤولية إيران، فإن الانفتاح الدبلوماسي بين القاهرة وطهران سينتهي. وتابع: "ستعود العلاقات بين مصر وإيران إلى نقطة الصفر، وسيُغلق هذا الملف، وسنعود إلى نقطة البداية".

 

مع ذلك، يرى أن العلاقات مع دول الخليج ستتعزز في أعقاب مثل هذا الهجوم. وقال: "علاقاتنا مع دول الخليج متينة، وأمن الخليج جزء لا يتجزأ من أمن مصر"، مشيرًا إلى أن مصر دفعت ثمنًا باهظًا بالفعل جراء هجمات الحوثيين على الملاحة في البحر الأحمر. وأضاف: "لقد تكبدنا خسائر فادحة جراء الضغط على قناة السويس".

 

تأثير الهجوم على استيراد الغاز الطبيعي المسال

 

وبحسب الصحيفة العبرية، قد يُقلل الهجوم من مرونة مصر في استيراد الغاز الطبيعي المسال وإعادة تحويله إلى غاز، بدلاً من التأثير على قدرتها التصديرية، على الرغم من أن التداعيات التشغيلية لا تزال غير واضحة. وأُفيد بتضرر السفن المستهدفة وتعطل العمليات في ميناء دمياط، بينما أكدت الحكومة أن الميناء يعمل بشكل طبيعي.

 

قال إيلاي ريتيج، الأستاذ المساعد في قسم الدراسات السياسية بجامعة بار إيلان والمتخصص في الجغرافيا السياسية للطاقة: "الأمر رمزي في المقام الأول. فمصر لم تصدّر سوى كميات ضئيلة من الغاز الطبيعي المسال عبر منشأتيها في إدكو ودمياط منذ عام 2024. وهي تعاني من نقص في الغاز، بخاصة خلال أشهر الصيف، وأصبحت مستوردًا صافيًا للغاز الطبيعي المسال. لذا، لا يوجد أي تأثير على أوروبا".

 

وآخر شحنة كبيرة من الغاز الطبيعي المسال تم تحميلها من دمياط كانت في عام 2023. أصبحت مصر مستوردًا صافيًا للغاز الطبيعي المسال منذ أواخر عام 2024، واستوردت 8.92 مليون طن في عام 2025. وتُعد سفينة "إنرجوس وينتر" واحدة من أربع وحدات عائمة لإعادة تحويل الغاز إلى حالته الغازية تستخدمها مصر لتلبية الطلب الصيفي.

 

وكان الغاز الإسرائيلي يصل إلى الأسواق الدولية عبر محطات تسييل الغاز المصرية، وهو ما قد تستخدمه إيران لتبرير الضربة بأنها استهدفت إسرائيل. ووصف ريتيج هذا الادعاء بأنه "ادعاء ضعيف، إذ لم يحدث ذلك خلال العامين الماضيين، ويُستخدم ميناء دمياط حاليًا بشكل أكبر لاستيراد الغاز الطبيعي المسال".

 

وقال: "إذن، لم تُلحق إيران أي ضرر بإسرائيل على الإطلاق، بل ألحقت الضرر فقط بأمن الطاقة في مصر".

 

في 28 يوليو، وافقت شركتا إيني وتوتال إنيرجيز على مشروع كرونوس للغاز قبالة سواحل قبرص، مما يوفر مصدرًا مستقبليًا لصادرات الغاز الطبيعي المسال إلى دمياط. ومن المتوقع بدء معالجة الغاز القبرصي في مصر وتسييله في دمياط اعتبارًا من عام 2028، ليتم شحنه بشكل رئيس إلى الأسواق الأوروبية، مما يُسهم في استعادة دور المحطة التصديري.

 

وصرحت البروفيسورة بريندا شافير، خبيرة الطاقة في كلية الدراسات العليا البحرية الأمريكية، بأن طهران ستختار على الأرجح أهدافها التالية "بحسب الفرصة، وليس عن طريق الاختيار المحسوب"، وأن "منشآت الطاقة والغاز في جميع أنحاء العالم بحاجة إلى رفع مستوى التأهب الأمني لديها".

 

وترى شافر، التي تُحمّل إيران مسؤولية الضربة، أنها محاولة لرفع أسعار النفط العالمية وتفاقم نقص الغاز الطبيعي المسال للضغط على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس. وقالت إن مصر "أظهرت قصورًا في الدفاع عن البنية التحتية الحيوية للطاقة"، ووصفت الضربة بأنها بمثابة جرس إنذار للدفاع المصري عمومًا.

 

"الضربة أنهت عزلة مصر"

 

وأفاد مصدر أمني في أبوظبي لـ"ذا ميديا لاين" بأن الضربة أنهت عزلة مصر عن الحرب وأعادت رسم خريطة التهديدات الإقليمية، وأن الاستهداف بات يستهدف الأصول الاقتصادية والطاقة المرتبطة بالولايات المتحدة "بغض النظر عن الموقف السياسي للدولة المضيفة". وأضاف المصدر أن "البقاء على الحياد بات يُنظر إليه على أنه خيار سياسي، وليس واقعًا عمليًا".

 

في أبريل، أشاد أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات، بمصر وعدد من الدول العربية الأخرى لدعمها الإمارات خلال الهجمات الإيرانية. وقد أدانت مصر هذه الهجمات، وأفادت التقارير بأنها نشرت أنظمة دفاع جوي وقوات عسكرية في السعودية والإمارات والكويت.

https://www.jpost.com/middle-east/article-904238